صفي الرحمان مباركفوري
204
الرحيق المختوم
وعن أبي طلحة أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش ، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث . وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال ، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها ، ثم مشى ، وأتبعه أصحابه حتى قام على شفة الركي ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، يا فلان ابن فلان ، يا فلان ابن فلان ، أيسركم أنكم أطعتم اللّه ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقّا ؟ فقال عمر : يا رسول اللّه ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده ، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، وفي رواية ما أنتم بأسمع منهم ، ولكن لا يجيبون » « 1 » . مكة تتلقى نبأ الهزيمة : فر المشركون من ساحة بدر في صورة غير منظمة ، تبعثروا في الوديان والشعاب ، واتجهوا صوب مكة مذعورين ، لا يدرون كيف يدخلونها خجلا . قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم بمصاب قريش الحيسمان بن عبد اللّه الخزاعي ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال : قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خلف في رجال من الزعماء سماهم . فلما أخذ يعد أشراف قريش قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر : واللّه إن يعقل هذا ، فاسألوه عني ، قالوا : ما فعل صفوان بن أمية قال : ها هو ذا جالس في الحجر ، وقد واللّه رأيت أباه وأخاه حين قتلا . وقال أبو رافع - مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - : كنت غلاما للعباس ، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس ، وأسلمت أم الفضل ، وأسلمت ، وكان العباس يكتم إسلامه ، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر ، فلما جاءه الخبر كبته اللّه وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا ، وكنت رجلا ضعيفا أعمل الأقداح ، أنحتها في حجرة زمزم ، فو اللّه إني لجالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر ، حتى جلس على طنب الحجرة « 2 » ، فكان ظهره إلى ظهري ، فبينما هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم ، فقال له أبو لهب : هلم إلي ، فعندك لعمري الخبر ، قال : فجلس إليه ، والناس قيام عليه . فقال : يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس ؟ قال : ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا ، يقتلوننا
--> ( 1 ) متفق عليه ، مشكاة المصابيح 2 / 345 [ ط . دار الفكر ] . ( 2 ) طنب الحجرة : طرفها .